• 6083
  • المشاركات
    13,112
كبار الأعضاء
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركة :1
إياك وسوء الظن بالله





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:

قال ابن القيم رحمه الله ولا ريب أن حسن الظن بالله إنما يكون مع الإحسان، فإن المحسن حسن الظن بربه، أنه يجازيه على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته، وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه، وهذا موجود في الشاهد فإن العبد الآبق المسيء الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به، ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن أبداً، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته، وأحسن الناس ظناً بربه أطوعهم له. كما قال الحسن البصري: ( إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وأن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل ).



وكيف يكون محسن الظن بربه من هو شارد عنه، حال مرتحل في مساخطه وما يغضبه، متعرض للعنته، قد هان حقه وأمره عليه فأضاعه، وهان نهيه عليه فارتكبه وأصر عليه، وكيف يحسن الظن بربه من بارزه بالمحاربة، وعادى أولياءه، ووالى أعداءه، وجحد صفات له، وأساء الظن بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر.


وكيف يحسن الظن بمن يظن أنه لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يرضى ولا يغضب، وقد قال الله تعالى في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات، وهو السر من القول{ وَذَلِكُمُ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُم أَردَاكُم فَأَصبَحتُم مِنَ الخَاسِرِينَ } [فصلت:23].



فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيراً مما يعلمون كان هذا إساءة لظنهم بربهم، فأرداهم ذلك الظن. وهذا شأن كل من جحد صفات كماله ونعوت جلاله، ووصفه بما لا يليق به، فإذا ظن هذا أنه يدخله الجنة كان هذا غروراً وخداعاً من نفسه، وتسويلاً من الشيطان، لا إحسان ظن بربه.



فتأمل هذا الموضع، وتأمل شدة الحاجة إليه، وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاقي الله، وأن الله يسمع كلامه ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى عليه خافية من أمره، وأنه موقوف بين يديه ومسئول عن كل ما عمل، وهو مقيم على مساخطه مضيع لأوامره معطل لحقوقه، وهو مع هذا يحسن الظن به.


وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني. وقد قال أبو سهل ابن حنيف: ( دخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة رضي الله عنها فقالت: لو رأيتما رسول الله في مرض له، وكانت عنده ستة دنانير، أو سبعة دنانير. فأمرني رسول الله أن أفرقها، فشغلني وجع رسول الله حتى عافاه الله، ثم سألني عنها « ما فعلت أكنت فرقت الستة دنانير » ، فقلت لا والله، لقد كان شغلني وجعك، قالت: فدعا بها فوضعها في كفه، فقال: « ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده » ، وفي لفظ « ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده » ).



فبالله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه ومظالم العباد عندهم، فإن كان ينفعهم قولهم: حسناً ظنوننا بك إنك لم تعذب ظالماً ولا فاسقاً، فليصنع العبد ما شاء، وليرتكب كل ما نهاه الله عنه، وليحسن ظنه بالله، فإن النار لا تمسه، فسبحان الله، ما يبلغ الغرور بالعبد، وقد قال إبراهيم لقومه: { أَئِفكاً ءَالِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ . فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ } [الصافات:87،86] أي ما ظنكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره.

ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها منه، فالذي حمله على حسن العمل حسن الظن، فكلما حسن ظنه بربه حسن عمله.


وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز، كما في الترمذي والمسند من حديث شداد ابن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني »


وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن.

فإن قيل: بل يتأتى ذلك، ويكون مستند حسن الظن على سعة مغفرة الله ورحمته، وعفوه، وجوده، وأن رحمته سبقت غضبه، وأنه لا تنفعه العقوبة، ولا يضره العفو.

قيل: الأمر هكذا، والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم، ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به، فإنه سبحانه موصوف بالحكمة والعزة والانتقام وشدة البطش، وعقوبة من يستحق العقوبة، فلو كان معول حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه لشترك في ذلك البر والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليه وعدوه.

فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته وقد باء بسخطه وغضبه وتعرض للعنته، ووقع في محارمه وانتهك حرماته، بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة. ثم أحسن الظن بعدها فهذا هو حسن الظن، والأول غرور والله المستعان.


يفرق بين حسن الظن بالله وبين الغرور به قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرجُونَ رَحمَتَ اللَّهُ } [البقرة:218]، فجعل هؤلاء أهل الرجاء، لا البطالين والفاسقين، وقال تعالى:{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [النحل:110] فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها، فالعالم يضع الرجاء مواضعه، والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه.


قال رسول الله : « إياكم والظن فإنه أكذب الحديث » [البخاري ومسلم].

إن استمراء ظن السوء وتحقيقه لا يجوز، وأوّله بعض العلماء على الحكم في الشرع بظن مجرد بلا دليل.


روى الترمذي عن سفيان: الظن الذي يأثم به ما تكلم به، فإن لم يتكلم لم يأثم. وذكر ابن الجوزي قول سفيان هذا عن المفسرين ثم قال: وذهب بعضهم إلى أنه يأثم بنفس الظن ولو لم ينطق به.

قال القاضي أبو يعلى: إن الظن منه محظور ( وهو سوء الظن بالله ) والواجب حسن الظن بالله عز وجل.


والظن المباح كمن شك في صلاته إن شاء عمل بظنه وإن شاء باليقين. وروى أبو هريرة مرفوعاً: « إذا ظننتم فلا تحققوا » وهذا من الظن الذي يعرض في قلب الإنسان في أخيه فيما يوجب الريبة.


قال ابن هبيرة الوزير الحنبلي: لا يحل والله أن يحسن الظن بمن ترفض ولا بمن يخالف الشرع في حال.


وقال : { ما أظن فلاناً وفلاناً يعرفان من ديننا شيئاً } وفي لفظ { ديننا الذي نحن عليه } [البخاري]. قال الليث بن سعد: كان رجلين من المنافقين.


عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : « حسن الظن من حسن العبادة » [أحمد وأبو داود].


قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يحل لامرىء مسلم يسمع من أخيه كلمة يظن بها سوءاً وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجاً. وقال أيضاً: لا ينتفع بنفسه من لا ينتفع بظنه.

وقال أبو مسلم الخولاني: اتقوا ظن المؤمن فإن الله جعل الحق على لسانه وقلبه.


وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لله درُّ ابن عباس إنه لينظر إلى الغيب عن ستر رقيقه.

وقال ابن عباس رضي الله عنه: الجبن والبخل والحرص غرائز سوء يجمعها كلها سوء الظن بالله عز وجل.




وفي الصحيحين أن صفية أتت النبي تزوره وهو معتكف، وأن رجلين من الأنصار رأياهما فأسرعا فقال النبي : « على رسلكما إنها صفية بنت حيي » فقالا: سبحان الله يا رسول الله. قال: « إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً » ، أو قال: « شراً » .


قال أبو حازم: العقل التجارب والحزم سوء الظن. وقال الحسن: لو كان الرجل يصيب ولا يخطىء ويحمد في كل ما يأتي داخله العجب.


سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ألا يدعونا ذلك بأن نحسن الظن بالله سبحانه ابو شاهين مملكة الصلاة على الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم 5 03-04-2018 12:27 AM
أحسن الظن بالله يحسن العطاء لك : ريم قدورة مملكة القصص الواقعية 1 02-01-2018 11:29 AM
حسن الظن بالله ام ميثم مملكة الاسلامية العامة 3 06-01-2014 11:58 PM
احسن الظن بالله روزكنزي مملكة الباراسيكولوجي وكل ما يتعلق بعالم الروح والعقل الباطن وعوالم الجن والإنس 0 02-02-2013 02:38 AM
حسن الظن بالله الــوردة الحــمراء مملكة المواضيع العامة 3 11-07-2012 10:23 PM


  • 8987
  • المشاركات
    751
عضو مميز
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركة :2
اللهم احسنإلينا و إلي ظننا بك فإنك خلقتنا وتعرف ما بنا ..ونحن عبيدك لا غله ألا أنت سبحانك إني كنت من ى الظالمين


  • 6083
  • المشاركات
    13,112
كبار الأعضاء
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركة :3
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ...شكرآ لك أختاه


  • 14941
  • المشاركات
    4,035
عضو مميز
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركة :4
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .


  • 6083
  • المشاركات
    13,112
كبار الأعضاء
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركة :5
تسلمي إشراقة علي المرور


  • 16692
  • المشاركات
    727
عضو جديد
تاريخ التسجيل: Jun 2012
المشاركة :6
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
اخوكم نور الرحمن


  • 22602
  • المشاركات
    1,660
كبار الأعضاء
تاريخ التسجيل: Apr 2013
المشاركة :7
لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين


  • 25463
  • المشاركات
    24
عضو جديد
تاريخ التسجيل: Aug 2013
المشاركة :8
اللهم يحفظك على
هذه المعلومات الثمينه


  • 26332
  • المشاركات
    189
عضو مميز
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركة :9
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .


  • 29595
  • المشاركات
    1,622
من أعمدة أسرار
تاريخ التسجيل: Jan 2014
المشاركة :10
بارك الله فيك


  • 31181
  • المشاركات
    283
عضو جديد
تاريخ التسجيل: Mar 2014
المشاركة :11
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين كيف حالك إن شاء الله دائما بخير ؟ لقد سعدت بهذا الموضوع


  • 51755
  • المشاركات
    695
عضو مميز
تاريخ التسجيل: Oct 2015
المشاركة :12
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية . موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .


  • 53440
  • المشاركات
    46
عضو نشيط
تاريخ التسجيل: Dec 2015
المشاركة :13
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .


  • 50160
  • الدولة
    حلب-سوريا
  • المشاركات
    838
عضو جديد
تاريخ التسجيل: Aug 2015
المشاركة :14
بسم الله الرحمن الرحيم شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .



  • 59245
  • المشاركات
    130
عضو جديد
تاريخ التسجيل: Jul 2016
المشاركة :15
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية . شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية . شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)

 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع


الساعة الآن 10:09 PM